محمد غازي عرابي
1191
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
سورة الهمزة بسم اللّه الرّحمن الرّحيم [ سورة الهمزة ( 104 ) : الآيات 1 إلى 9 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ( 1 ) الَّذِي جَمَعَ مالاً وَعَدَّدَهُ ( 2 ) يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ ( 3 ) كَلاَّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ ( 4 ) وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ ( 5 ) نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ ( 6 ) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ ( 7 ) إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ ( 8 ) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ ( 9 ) [ الهمزة : 1 ، 9 ] قال عيسى عليه السّلام : لأسهل دخول جمل في سم الخياط من دخول غني في ملكوت السماوات ، فالحقيقة والغنى عدوان لا يتفقان ، والإنسان جهول ظلوم ، ويأكل التراث أكلا لما ، ويحب المال حبا جما ، والمال يطغى ، يصرف صاحبه عن اللّه ، والتفكير في خلق السماوات والأرض ، ويجعل بينه وبين الناس حاجزا لا يطفر من الأنانية والشح والخوف من ضياع المال ، والنتيجة أن الغني أسير ماله ، ماله عليه سلطان ، وقال ميخائيل نعيمة : كلما زاد ما تملكه زاد ما يملكك ، وتحدث الإمام الرازي عن سلم النجاح المادي الذي يرتقيه الإنسان جاهدا ، وكلما صعد درجة دفع ثمن صعوده العرق والدم ، بله الكرامة والمروءة والكثير من إنسانيته ، وتكلف مؤنة الدرجة التي احتلها ، حتى إذا بلغ أعلى السلم نظر ، فوجد العمر قد ضاع ، والصحة قد زالت ، والأجل قد دنا ، وإذا هو خاسر دنيا وآخرة ، فأما في الدنيا فهو مبغوض من قبل من حرمهم وظلمهم ، ولم يمد يده إلى المحتاج منهم من مسكين ويتيم وفقير ، وهو هدف طمع أهله وأولاده وأقربائه ، يتمنون موته ليرثوه ، وأما في الآخرة فلقد حالت الظلمات بينه وبين النور الإلهي ، فمن كان في هذه الدنيا أعمى ، فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا ، ومن لم يعرف اللّه في الدنيا لا يعرفه في الآخرة ، والنتيجة العدم والفناء .